كتبتُ قبل سنوات مقالاً عن تجربتي في العيش مئة يوم في كوبنهاجن دون الجلوس خلف مقود السيارة، وحكيت فيه قصتي مع الدراجة الهوائية العائلية -كما في الصورة- التي حملتني وعائلتي في شوارع تلك المدينة الباردة الماطرة.

أما هذا المقال، فقد كتبت مسودته الأولى بعد ألف يوم تقريباً من فراق كوبنهاجن، بعدما أنهيت دراسة الدكتوراه وغادرتها. ثم بقيت المسودة حبيسة الأدراج؛ ففي وجداني تجاه هذه المدينة شيء من الثقل يجعل الحديث عنها أصعب مما توقعت.
ولم يدفعني إلى إخراج المسودة من جديد إلا صورٌ شاركني إياها أحد الأصدقاء هذا الصيف أثناء زيارته لكوبنهاجن. فتحت الصور، وإذا بالمدينة كما تركتها: الدراجات، والماء، والناس، والسماء الرمادية التي كنت أتذمر منها ثم أشتاق إليها!
فقررت أن أكتب.
ليس لغرض الكتابة هذه المرة، بل لغرض التأريخ والتوثيق.
فكل من يعرفني ويجلس بالقرب مني، تكاد لا تمضي ساعة إلا وذكّرتُه بكوبنهاجن بخير. بل إنني -وأنا المولع بالملاحظة والقياس- أجريت قبل مدة دراسة صغيرة داخل عائلتي!
لمدة أسبوع، بدأت أعدّ كم مرة نذكر أنا وزوجتي وأبنائي كوبنهاجن تلقائياً خلال اليوم: في مطعم، أو في طريق المدرسة، أو حين يتغير الجو، أو حين نرى دراجة، أو حديقة، أو قطاراً، أو حتى موقفاً يومياً بسيطاً.
والنتيجة؟
نحو عشرين مرة في اليوم!
عندها أدركت أن كوبنهاجن لم تعد مجرد مدينة عشنا فيها سنوات، بل تحولت داخل عائلتنا إلى وحدة قياس.
كيف كان هذا في كوبنهاجن؟
هل كان أسهل؟
هل كان أجمل؟
هل كان أهدأ؟
أصبحت هي المعيار الذهبي للأشياء، ومرجع المقارنة الذي ترجح كفته -للأسف أو لحسن الحظ- في معظم المرات.
والحديث عن كوبنهاجن بالنسبة لي ليس حنيناً عابراً إلى مدينة غادرناها، فالعلاقة أعقد من ذلك بكثير. وربما تستحق مجلدات لتفسيرها!
لكنني سأحاول هنا أن أجيب عن سؤال واحد:
لماذا كوبنهاجن؟ ولماذا كل هذا العشق؟
دولة صغيرة تتربع على عرش مؤشرات جودة الحياة
عزيزي القارئ، الدنمارك دولة لا يتجاوز سكانها ستة ملايين نسمة، أي أقل تقريباً من سكان مدينة الرياض، ومع ذلك ستجدها عاماً بعد عام في مقدمة مؤشرات جودة الحياة والسعادة والثقة والصحة والتعليم.
في تقرير السعادة العالمي لعام ٢٠٢٦ جاءت الدنمارك في المركز الثالث عالمياً، وهي من الدول التي تكاد لا تغادر المراكز الأولى منذ سنوات طويلة.
وفي عام ٢٠٢٥ انتزعت عاصمتها كوبنهاجن لقب أفضل مدينة للعيش في العالم في مؤشر جودة العيش العالمي الصادر عن وحدة المعلومات في مجلة الإيكونوميست، منهيةً ثلاث سنوات من تصدر فيينا، وحاصدة العلامة الكاملة في الاستقرار والتعليم والبنية التحتية.
لكن الحقيقة أنني لست بحاجة إلى هذه المؤشرات لأصدقها.
فأنا عشتها.
والرقم لا يستطيع أن يخبرك كيف تبدو «جودة الحياة» في صباح يوم ثلاثاء عادي.
أنا أستطيع.
عشت المدينة التي يخرج فيها ابن الأحد عشر ربيعاً -ولدي طلال- صباحاً ممتطياً دراجته إلى المدرسة، ثم يذهب بعد ذلك إلى نادي كرة القدم، ثم يعود إلى البيت وحده قبيل المغرب.
وأنت كأب لا تشعر طوال اليوم أنك قمت بمغامرة غير محسوبة.
ولست مهملاً؛ فالجميع يفعل ذلك.
وعشت المدينة التي تستطيع أن تسكن في أحد أفخم أحيائها وأنت لا تملك سيارة، ليس لأنك عاجز عن شرائها، بل لأنك ببساطة لا تحتاجها.
والأغرب أنك لا تحتاج أيضاً إلى سيارة فخمة حتى تخبر جيرانك بأنك قادر على شرائها!
بل أذكر جيداً أن من جيراننا سفيرة أستراليا لدى الدنمارك وزوجها، وكانت ابنتهما تدرس في المدرسة نفسها التي يدرس فيها أبنائي، وكانا يوصلانها بالدراجة مثل بقية الآباء.

عشت المدينة التي تستطيع أن تنزل في يوم صيفي وتسبح في مياه مينائها وسط العاصمة، بين المباني والمكاتب والمطاعم،

وقد كتبت سابقاً عن ذلك في مقالي «المدينة الفاضلة»، وقلت إن قابلية العيش لا تتمحور حول ارتفاع المباني، ولا حجم الناتج المحلي، ولا كثرة المشروعات، بقدر ما تتمحور حول سؤال بسيط:
كيف يعيش الإنسان يومه داخل هذه المدينة؟
تلك البساطة التي أدهشتني في كوبنهاجن لم تكن صدفة، ولم تكن مجرد ذوق إسكندنافي جميل.
بل كانت الواجهة الظاهرة لمنظومة كاملة صُممت حول الإنسان.
وهناك شيء لم أفهم قيمته إلا بعدما غادرت الدنمارك: الوقت.
ربما تكون إحدى أعظم الخدمات التي تقدمها المدن الجيدة للإنسان أنها تعيد إليه جزءاً من عمره.
أنت لا تقضي ساعتين يومياً عالقاً في السيارة. المدرسة قريبة. المترو يصل في موعده. الدراجة في كثير من الرحلات أسرع من السيارة. تستطيع إنجاز كثير من أمورك دون أن تجعل منها مشروع يوم كامل.
كل ساعة لا تستهلكها في زحام، أو انتظار، أو إجراء معقد، تعود إليك.
تعود إلى أولادك.
إلى الرياضة.
إلى القراءة.
إلى الأصدقاء.
أو حتى إلى أن تجلس بلا شيء!
وهذا في رأيي جزء لا يُذكر كثيراً حين نتحدث عن جودة الحياة.
فالرفاه ليس فقط كم تكسب من المال أو كم تنفق، بل أيضاً كم يتبقى لك من يومك بعد أن تنتهي الحياة من أخذ نصيبها منك.
قِبلة الابتكار
وهنا يأتي السؤال الذي كان يشغلني دائماً:
هل من المصادفة أن تكون الدولة التي تمنح الإنسان هذا القدر من الأمان والتعليم والوقت، دولةً ذات أثر علمي وابتكاري أكبر بكثير من حجمها؟
لا أعتقد.
للدنمارك تاريخ لافت مع جوائز نوبل والعلوم، لكن لنيلز بور وحده حكاية تستحق الوقوف عندها.
الرجل الذي غيّر فهم البشرية للذرة وحصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام ١٩٢٢، جعل من معهده في كوبنهاجن ملتقىً لبعض أعظم عقول الفيزياء في القرن العشرين.
حتى إن أحد أشهر التفسيرات في تاريخ ميكانيكا الكم يحمل اسم المدينة نفسها:
«تفسير كوبنهاجن».
واللي شاف فيلم «أوبنهايمر» قد يتذكر شيئاً من تلك الأسماء والنقاشات والمرحلة التاريخية المجنونة التي كانت الفيزياء فيها تعيد تعريف العالم.
تأمل معي فقط:
مدينة صغيرة وباردة في شمال أوروبا، يُسمّى باسمها تفسيرٌ لإحدى أعقد النظريات التي أنتجها العقل البشري!
لكن قصتي المفضلة ليست قصة نيلز بور.
بل قصة إبرة.
قصة إبرة الأنسولين
في عام ١٩٢٠ حصل عالم الفسيولوجيا الدنماركي آوغست كرو على جائزة نوبل في الطب.
وكانت زوجته ماري طبيبة، وكانت أيضاً مصابة بمرض السكري.
بعد اكتشاف الأنسولين في كندا، سافر الزوجان إلى هناك، وعادا بحقوق إنتاج الأنسولين في الدول الإسكندنافية.
ومن تلك الرحلة بدأت واحدة من أهم القصص في تاريخ الصناعة الدوائية الدنماركية، وخرجت المؤسسات التي أصبحت لاحقاً جزءاً من الشركة التي نعرفها اليوم باسم نوفو نورديسك.
نعم، الشركة التي تصنع بعض أشهر أدوية السكري والسمنة في العالم اليوم.
نعم، الإبرة التي يتحدث عنها الجميع في مجالسنا!
الشركة أصبحت واحدة من أهم شركات الأدوية عالمياً، وتنتج اليوم نسبة كبيرة جداً من أنسولين العالم، ووصلت قيمتها السوقية في ذروة صعودها إلى مستوى تجاوز حجم الناتج الاقتصادي السنوي للدنمارك نفسها.
تأمل معي رحلة الفكرة:
زوجة مريضة.
عالم يبحث عن علاج.
معرفة تأتي من جامعة في كندا.
تنتقل إلى كوبنهاجن.
تتحول إلى صناعة.
ثم إلى شركة.
ثم إلى علاج يصل إلى ملايين البشر حول العالم.
ربما لهذا أحب هذه القصة.
لأنها تختصر شيئاً من الدنمارك نفسها:
مشكلة إنسانية تحولت بالعلم إلى حل، ثم تحول الحل إلى صناعة، ثم تحولت الصناعة إلى أثر عالمي.
هل هذه معجزة فردية؟
لا أعتقد.
هنا تحديداً نصل إلى كلمة السر.
المنظومة المترابطة هي كلمة السر
حين نتحدث عن السعادة والصحة والابتكار وجوائز نوبل، فنحن لا نتحدث عن أشياء متفرقة، بل عن ثمار شجرة واحدة، جذورها في منظومة مترابطة بُنيت بحيث يسند كل جزء منها الآخر.
وهنا -في اعتقادي- تكمن كلمة السر في التجربة الدنماركية.
فليس المهم أن لديهم مسارات للدراجات فقط، بل أن المدرسة قريبة، والشارع آمن، والمدينة مصممة للمشي، والنقل العام يعمل، والعمل لا يستهلك يوم الإنسان كاملاً؛ فتجتمع هذه الأشياء كلها ليصبح طبيعياً أن يخرج طفل في الحادية عشرة من عمره من بيته على دراجته ويعود وحده.
وليس المهم أن لديهم نظاماً صحياً جيداً فقط، بل أن المدينة نفسها تساعدك على الحركة، والهواء والماء والحدائق جزء من الصحة، حتى يصبح الحفاظ على صحتك شيئاً تفعله وأنت تعيش يومك، لا موعداً تنتظره في عيادة.
وليس المهم أن لديهم قوانين تدعم الأسرة فقط، بل توجد إجازات للوالدين، وخدمات لرعاية الأطفال، وساعات عمل أكثر توازناً، وشبكة أمان اجتماعي؛ فتستطيع الأسرة أن تجمع بين الإنجاب والعمل وتربية الأبناء بدرجة أكبر دون أن يصبح أحد هذه الخيارات بالضرورة عدواً للآخر.
وحتى سوق العمل يحمل الفكرة نفسها.
هناك نموذج مشهور في الدنمارك يسمونه Flexicurity، أي المزج بين المرونة والأمان: الشركات لديها مرونة كبيرة في التوظيف والتغيير، وفي المقابل توجد شبكة أمان وبرامج تدريب تساعد من يفقد عمله على العودة إلى السوق.
وكأن الفكرة تقول للإنسان:
جرّب.
غيّر.
تعلّم.
وحتى لو سقطت، لن تسقط إلى القاع.
ثم تأتي فوق ذلك كله كلمة أعتقد أنها من أهم مفاتيح فهم المجتمع الدنماركي:
الثقة.
الثقة بين الناس.
والثقة بأن النظام -في الغالب- سيعمل كما يفترض أن يعمل.
وأحد أكثر المشاهد التي تختصر لي هذه الثقة عربات الأطفال التي تراها أمام المقاهي في كوبنهاجن، وبداخلها رضّع نائمون، بينما آباؤهم وأمهاتهم في الداخل يحتسون قهوتهم بهدوء.
حين تراها لأول مرة قد تقول:
معقول؟ يتركون أطفالهم في الخارج؟
لكن بعد أن تعيش هناك مدة، تدرك أن المشهد أكبر بكثير من عربة طفل أمام مقهى.
وراءها مجتمع كامل من الثقة والأمان، ومدينة تمنح الأسرة مساحة، وحياة لا تجعل الأبوة والأمومة حالة طوارئ دائمة.
وطبعاً، عزيزي القارئ، ما فوّتُ التجربة هذه!
دخلنا أحد المقاهي، وتركت ابني عبدالعزيز نائماً في عربيته خارج المقهى مثلهم تماماً.
(انظر الصورة!)

وهناك أمر آخر ظل يثير فضولي سنوات:
كيف يدفع هؤلاء كل هذه الضرائب ولا نسمع منهم ذلك التذمر الذي نتوقعه؟
فبعض الشرائح تدفع معدلات ضريبية مرتفعة جداً.
ولا أعتقد أن الدنماركي يحب الضرائب أكثر مني ومنك!
لكن ربما يصبح الأمر مختلفاً حين يستطيع أن يرى كل يوم أين ذهب جزء من ماله:
في مدرسة ابنه.
وفي المستشفى.
وفي الجامعة.
وفي القطار.
وفي الحديقة.
وفي مسار الدراجة.
وفي الماء النظيف الذي يسبح فيه وسط العاصمة.
وكلما فكرت في التجربة أكثر، وجدت أن العبقرية ليست في أن كل شيء مثالي، بل في أن الأشياء تعمل مع بعضها.
التعليم يسند سوق العمل، وسوق العمل تسنده شبكة الأمان، وتصميم المدينة يسند الصحة، والصحة تسند الإنتاجية، والخدمات العامة توفر الوقت، والثقة تجعل كل ذلك أقل تعقيداً.
هذه في نظري هي الـ Ecosystem الحقيقية.
ليست مشروعاً واحداً ناجحاً، بل منظومة تجعل الأشياء الجيدة تقوّي بعضها بعضاً.
عندما يصبح «الحلم الأمريكي» دنماركياً!
لفت انتباهي مؤخراً حديث تكرر في عدد من البودكاستات والحوارات الأمريكية حول فكرة تبدو مستفزة للوهلة الأولى:
أن أفضل مكان اليوم لتحقيق ما كان يسمى تاريخياً «الحلم الأمريكي» قد لا يكون أمريكا نفسها.
بل الدنمارك.
وقال المرشح الرئاسي الأمريكي السابق بيت بوتيجيج شيئاً قريباً جداً من ذلك خلال مناظرات الحزب الديمقراطي عام ٢٠٢٠.
والمقصود ليس أن الدنمارك أفضل من أمريكا في كل شيء، ولا أن المقارنة بهذه البساطة.
الفكرة أعمق.
ما احتمال أن يولد طفل في أسرة محدودة الدخل، ثم يستطيع حين يكبر أن يصعد اجتماعياً واقتصادياً إلى مستوى أعلى بكثير من والديه؟
هنا تأتي واحدة من أكثر الأرقام إثارة بالنسبة لي.
تشير دراسات الحراك الاجتماعي إلى أن الأسرة الموجودة في أسفل سلم الدخل تحتاج في الدنمارك في المتوسط إلى عدد أقل بكثير من الأجيال حتى تصل إلى متوسط الدخل مقارنة بالولايات المتحدة ودول أخرى.
كما جاءت الدنمارك في المركز الأول عالمياً في مؤشر الحراك الاجتماعي العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي عام ٢٠٢٠.
والمعنى بالنسبة لي ليس اقتصادياً فقط.
بل إن مكان ولادتك، ودخل أسرتك، واسم عائلتك، ينبغي ألا تتحول إلى حكم نهائي على المكان الذي ستصل إليه في الحياة.
إذا كانت لديك القدرة والإرادة، فالمفترض أن يساعدك النظام على الحركة.
النظام، وليس الواسطة.
وليس الحظ.
ليس كل إنسان مطالباً بأن يسلك الطريق نفسه
أذكر في جلسة عائلية قريبة أن إخوتي كانوا يتحدثون عن هموم القبولات الجامعية: النسب الموزونة، والضغط الهائل على تخصصات محددة، والطلاب الذين يدخلون تخصصات لا يحبونها لأن المجتمع أقنعهم أن النجاح لا يمر إلا منها.
وقلت يومها إن أحد الأشياء التي أثارت انتباهي في الدنمارك هو اختلاف نظرة المجتمع أصلاً إلى الطريق التعليمي والمهني.
بالطبع توجد منافسة على بعض البرامج، وليست أبواب كل جامعة وكل تخصص مفتوحة للجميع دون شروط.
لكن الاختلاف الأهم في رأيي أن الحياة لا تُقدّم للطالب على شكل طريق واحد فقط.
التعليم الجامعي ممول للدنماركيين، وهناك مسارات مهنية وتقنية متعددة، ولا يحمل المجتمع الدرجة الجامعية وحدها كل القيمة الاجتماعية التي يحملها أحياناً في مجتمعات أخرى.
وطالب الدكتوراه نفسه غالباً ليس «طالباً» بالمفهوم الذي نعرفه، بل موظف في الجامعة يتقاضى راتباً ويؤدي عملاً بحثياً.
وأذكر زملاء لي في الدكتوراه كانت رواتبهم الشهرية تقارب ما كنت أتقاضاه أنا وعائلتي كاملة من مكافأة الابتعاث!
لكن النقطة الأهم ليست المال.
بل كرامة المسارات المختلفة.
ليس كل شخص مطلوباً منه أن يكون طبيباً أو مهندساً أو أستاذ جامعة حتى يثبت أنه نجح.
هناك مساحة أكبر لأن يبحث الإنسان عن الشيء الذي يجيده ويحبه، بدلاً من أن يدخل الجميع في خط إنتاج واحد ثم نتعجب لماذا خرجوا متشابهين وغير سعداء.
وربما ليست عبقرية النظام أن يضمن لكل شاب التخصص الذي يريده.
بل أن يمنحه أكثر من طريق ليصبح إنساناً ناجحاً ومحترماً.
ومن هذه الطرق المختلفة يخرج الفنان، والحرفي، والباحث، والمبرمج، والطبيب.
وربما يخرج نيلز بور جديد.
أو آوغست كرو جديد.
أو نوفو نورديسك جديدة.
بصمة بلا ضجيج
الدنمارك ليست دولة عملاقة.
ليس لديها سوق داخلي بمئات الملايين من البشر، ولا مساحة جغرافية هائلة، ولا ثقل الدول الكبرى العسكري والسياسي.
ومع ذلك، حضورها في العالم أكبر بكثير من حجمها.
لماذا؟
أعتقد أن جزءاً مهماً من الإجابة أنها بنت ميزتها حول الإنسان، والمعرفة، والتصميم، والقدرة على تحويل الأفكار إلى أشياء يحتاجها الآخرون.
وسترى ذلك من أول نظرة إلى العاصمة.
لن تجد غابة من ناطحات السحاب الزجاجية تتنافس أيها أعلى من الأخرى، بل مدينة بسيطة وسهلة ومتناغمة، تتداخل فيها المياه والبيوت والمدارس والجامعات والحدائق ومسارات الدراجات كأن أحداً رسمها على لوحة واحدة.
والأغرب أن هذه البساطة نفسها أصبحت منتجاً دنماركياً يُصدّر إلى العالم.
عندما بدأت نيويورك إعادة التفكير في أجزاء من التايمز سكوير لتصبح أكثر ملاءمة للمشاة والناس، كان للمخطط والمفكر الدنماركي يان غيل وفلسفته في «مدن للناس» حضور كبير في هذا التحول.
الفكرة التي طبقوها في كوبنهاجن لعقود أصبحت فلسفة تخطيط عمراني تُدرّس عالمياً:
ابدأ بالإنسان، ثم صمم المدينة.
وليس العكس.
وفي التصميم المعماري أيضاً، أشهر مبنى في نصف الكرة الجنوبي تقريباً -دار أوبرا سيدني- خرج من مخيلة المعماري الدنماركي يورن أوتزون.
ثم انظر إلى أبسط شيء في غرف أطفالنا:
ليغو.
شركة دنماركية صغيرة بدأت قبل عقود، واسمها مشتق من عبارة دنماركية تعني «العب جيداً».
هي لعبة، نعم.
لكن فكرتها كلها قائمة على البناء، والتركيب، والتجريب، والفشل، ثم هدم ما صنعت وإعادة بنائه من جديد.
أحياناً أتخيل أنهم صدّروا فلسفتهم في الابتكار إلى أطفال العالم داخل علبة ألعاب!
وخذ مثالاً أخف.
مقاهي Joe & The Juice التي انتشرت اليوم في الرياض وغيرها هي أيضاً دنماركية.
وقد سألت عدداً ممن حولي عنها، فكان كثير منهم يظنون أنها بريطانية لشهرتها الهائلة في لندن.
وهذا هو الشيء الذي يعجبني فيهم:
يصدّرون دون «هياط».
يصنعون مدينة فيتعلم منها العالم.
يبنون لعبة فتدخل كل بيت.
يطورون دواء فيستخدمه ملايين البشر.
ودون أن تشعر في كل مرة أن أحداً يقف أمامك ليخبرك كم هو عظيم.
ماذا نأخذ من كل هذا؟
أخيراً، لست هنا لأقول إن الدنمارك جنة الله في أرضه.
بعيداً عن ذلك.
لها مشكلاتها، ولها عيوبها، وبعضها كنت أشتكي منه وأنا هناك.
جوها في الخريف والشتاء قد يكون كئيباً ومتقلباً إلى درجة تجعلك تنسى شكل الشمس.
الضرائب مرتفعة جداً.
امتلاك السيارة مكلف، ورسومها قد تكون قاسية.
وهناك بالتأكيد تحديات اجتماعية واقتصادية وسياسية لا تظهر للسائح في أسبوع ولا حتى للمقيم في سنواته الأولى.
ولا أعتقد أن تجربة الدنمارك يمكن -أو ينبغي- أن تُنسخ كما هي في أي بلد آخر.
فهي نتاج تاريخ وثقافة ومؤسسات بُنيت عبر عقود طويلة.
لكن المشكلة أننا كثيراً ما نتحدث عن «الغرب» كأنه شيء واحد.
وأمريكا ليست الدنمارك، والدنمارك ليست بريطانيا، وإيطاليا ليست السويد.
ولكل مجتمع تجربته وفلسفته ونقاط قوته وأخطاؤه.
والتجربة الإسكندنافية تحديداً تستحق منا -باحثين ومشرعين ومخططين وصناع قرار- أن نفهمها أكثر، ليس لنقلدها، بل لنفهم كيف يفكرون.
لأن أهم ما أخذته من كوبنهاجن ليس الدراجة.
ولا الميناء.
ولا نوفو نورديسك.
ولا حتى السعادة.
الدرس الأكبر الذي عدت به -وما زال يكبر في داخلي كل عام- هو أن الرفاه ليس قراراً يُتخذ، ولا مشروعاً يُفتتح، بل بيئة تُبنى.
تعليم يحترم اختلاف الناس.
وصحة تبدأ قبل أن يصل الإنسان إلى العيادة.
ومدينة تدفعك للحركة دون أن تأمرك بها.
وثقة تتراكم على مدى سنوات.
وأنظمة تجعل الخيار الصحيح هو الخيار الأسهل.
تماماً كما جعلوا الدراجة، في كثير من الرحلات، أسهل وأسرع من السيارة.
ولهذا لا أعتقد أن الدرس لنا هو أن نبني مسارات دراجات لأن كوبنهاجن فعلت، أو أن نرفع الضرائب لأن الدنمارك فعلت.
الدرس أعمق من ذلك بكثير.
أن نسأل أولاً:
كيف نريد للإنسان أن يعيش؟
ثم نصمم المدرسة، والمدينة، والعمل، والصحة، والنقل، والخدمات حول الإجابة.
نحن نحتاج إلى فهم احتياجاتنا نحن، وثقافتنا نحن، ومدننا نحن، ثم تصميم بيئات تجعل الدراسة شغفاً لا سباقاً، والصحة نمط حياة لا سعة عيادات وعدد أسرّة، والفرصة حقاً يُؤخذ لا حظاً يُنتزع.
